الحارث المحاسبي

237

الرعاية لحقوق الله

عظيما فإنه عند الوسواس في اللّه عز وجل صغير . وقال أبو حازم : ما كان في نفسك وكرهته نفسك لنفسك فلا يضرك هو من عدوك ، وما كان من نفسك فرضيته نفسك لنفسك فعاتبها عليه . وقال زيد بن أسلم مثل ذلك . وصدقا ، لأن ما كرهته وأبيته فقد رددته وبقي الشيطان يوسوس ، وإن كان الطبع ينازع فلا يضرك . ولذلك يروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، في حديث ابن عباس ، رضي اللّه عنهما ، أنه قال لأصحابه : « الحمد للّه الذي ردّه إلى الوسوسة » « 1 » . فإذا عرض الرياء فعرفه ثم كرهه وأبى أن يقبله نجا منه ، ولابد أن يجتمع مع الكراهة إباء لقبوله ، لأن الراكن إلى الرياء قد يكره ما هو مقيم عليه يحب النقلة منه ، والرادّ للقبول هو الكاره الإباء له ؛ لأن الرياء إنما يقبل بخصلتين : بإرادة النفس له والشهوة ، ولابد من صد هاتين ، فتكون الكراهة ضد الشهوة ، ويكون الإباء ضد الإرادة ، فحينئذ ينجو العبد من داعي الرياء . قلت : كيف أكره ما أنا له مريد ، مشته ؟ قال : إن اللّه عز وجل جعل فيك غرائز : فجعل فيك غريزة تحب ما وافقك وألذك ، وكراهة ما خالفك وآذاك ، وجعل فيك غريزة عقل لحبه ، فقرن مع غريزة الحب للموافق والبغض للمخالف الشيطان ، يزين له الدنيا ويثبّطه عن الآخرة ؛ وقرن مع العقل العلم والكتاب والسنّة ؛ ليزيّن الآخرة ويكّره إليه الدنيا ؛

--> ( 1 ) حديث ابن عباس أخرجه أبو داود في الأدب 4 / 329 - 330 ( 5110 ، 5112 ) ، والنسائي في عمل اليوم والليلة ص 420 ( 667 ، 669 ) ، وصححه ابن حبان 1 / 361 ( 147 ) ، وأحمد 1 / 235 ، 340 ، والطيالسي ص 352 ( 2704 ) ، والطبراني في الصغير 2 / 115 ، والبيهقي في الشعب 1 / 227 ، 228 ، والبغوي في شرح السنة 1 / 110 ، 111 .